عامر إبراهيم

مدخل

كما أدّعت العديد من الأدبيّات المؤسِسة، والتي سآتي على ذكر القليل منها في ما يلي، فإن قراءتنا لأي مشروع استيطاني، ولا سيّما المشروع الصهيوني، عليها أن تتناول بشكل أساسي سياسات الاقتصاد السكّاني كقوّة مُنتِجة (ومُنتَجة بنفس الوقت)، والممارسات الاستعمارية بحق الشعوب الأصلانية صاحبة الأرض تاريخًا وحاضرًا. بكلمات أخرى، على قراءتنا لمشروع الاستيطان الصهيوني أن تركّز على الإنسان، وتحديدًا على الإنتاج وإعادة الإنتاج السكّاني والاقتصاد السكّاني (العرقي، الديني والمعرفي)، ضمن حدود الجغرافيا الاستعمارية التي يطمح المشروع الاستيطاني إلى تشكيلها، التوسّع وفرض السيادة ضمنها والحفاظ عليها.

وتستند إمكانية المشروع الاستيطاني تحديدًا إلى ما وصفه المؤرّخ جيمس بيليش[1] بالترحيل الجماعي أو الترانسفير (mass transfer)، وهي القدرة على نقل جماعات كبيرة من الأشخاص من أرضها وترحيلها عبر القارات والمحيطات. ونظرًا لحقيقة أن المشروع الاستيطاني الاستعماري يُعرَّف بالأساس على أنه حركة متأصّلة باتجاه السيادة واستبدال الشعوب الأصلانية، يجب علينا النظر إلى الاقتصاد السكّاني هذا، أو بالأحرى إلى عمليات المحو، الاستبدال و(إعادة) الإنتاج السكاني على أنها عمليات تُمارَس بطرق مختلفة وعلى مستويات عدّة، مُتأثرة بالفترات والظروف التاريخية المختلفة، كما والمنظور أو الأطر الأيديولوجية التي تعمل وفقها وضمنها. إن الترانسفير (كمُمارسة وفكر صهيوني) تحديدًا في السياق الفلسطيني، كما يدّعي المؤرّخ الفلسطيني نور مصالحة[2] في كتابه “طرد الفلسطينيين، مفهوم الترانسفير في الفكر والتخطيط الصهيونيين”، هو فكرة مؤسِسَة في الأيديولوجية الصهيونية منذ بداية مشروع إقامة وطن قومي يهودي أو دولة في فلسطين، بحيث واجه الصهاينة ما أسموه “المشكلة العربية” – أي حقيقة كون “أرض إسرائيل” آهلة بالسكان. وكما جميع المشاريع الاستيطانية، اعتمد مشروعهم بالأساس على مخيال الأرض المطهَّرة من الشعوب الأصلانية، وأحد الحلول التي طُرحَت لحل “المشكلة العربية” كانت نقل السكان الفلسطينيين الأصليين إلى بلاد عربية مجاورة. وكما تؤكّد النكبة الفلسطينية، فإن مفهوم الترحيل هذا لم ينحصر في نقل وتشريد وتطهير السكان والطرد الفعلي من الأرض فحسب، إنما شمل بالتحديد أشكال وأنماط أخرى من المحو والترحيل التي علينا أخذها أيضًا بعين الاعتبار عند قراءتنا للمعادلات السكانيّة والعلاقات البشرية المُنتجَة في إطار هذا الشكل من الاستعمار الاستيطاني.

واحدة من طرق الترحيل التي يفرض فيها المستعمِر سيادته ضمن الجغرافيا الاستيطانيّة هي التلاعب في المسمّيات وتشويه الهويّات، كما أيضًا تغيير مواضع القوى والعلاقات السكّانية داخل المجتمعات المُستعمَرة (بمعنى أماكن السكن، الاقتصاد، هويّات وأعراق وديانات الشرائح السكنية وموازن القوى داخلها، وغيرها). سأقدم في هذه الورقة قراءة مُقتضبة في ممارسة الترانسفير في الجولان السوري المحتل اليوم، كمرحلة أكثر تركيبًا من تلك التي حدثت عام 1967 وتحديدًا خلال الشهور الأولى التي تلت النكسة. لا يظهر هنا الترانسفير على أنه طرد فعلي وتهجير وقتل للسكان والشعوب التي سكنت في الجولان قبل الاحتلال بشكلٍ محدد، كما هو الحال في النكسة، انما على نمطَين آخرين. أولهما، عن طريق المباشرة في مشاريع إسرائيلية لتوطين سكان الجولان السوريين الذين ظلّوا بعد الاحتلال، ونقلهم للسكن في أراضي لأصحابها السوريين المُهجّرين، والتلاعب بذلك بمفاهيم المستعمِر والمستعمَر، ومحاولة زَجّ فئة من المستعمَرين في المشروع الاستيطاني. أما النمط الآخر من الترحيل، فهو ممارسة الترانسفير أو الترحيل المفاهيمي (Conceptual Transfer)، كما صاغه الباحث الإيطالي لورينزو فيراتشيني،[3] والذي فيه يتم نفي أصلانية الشعوب المستعمَرة من أرضها وعرضها على أنها دخيلة، في الوقت نفسه الذي يصيغ المُستعمِر ذاته وجماعته على أنهم أصحاب الأرض التاريخيين. يتداخل هذان النمطان من الترحيل في الجولان لرسم مُعادلة إسرائيلية يبقى فيها سكان الجولان حاضرين فعليًا، ولكنهم مُغيّبين كأصحاب هذه الأرض.

احتلال الجولان

انتاج وتشكيل الحيّز المُستَعمَر في الجولان تاريخيًا، استهلَّ من خلال عمليات إسرائيليّة ركّزت بالأساس على تدمير واسع النطاق لِما كان، وعلى تهجير قَسري للسوريين تَمحْوَر بالأساس على الترهيب والقتل ونهب الأرض ومن ثم تدميرها. بعد الحرب عام 1967 مباشرة، لم تُبقِ إسرائيل في الجولان سوى سبع قرى فقط من أصل 139 قرية عربية، و-61 مزرعة كانت تابعة لأصحابها العرب السوريين قبل الحرب. وخَلقَ تهجير الجيش الإسرائيلي شبه الكامل للسكان السوريين من الجولان إبان الحرب الظروف المواتية لشن حملة مُمنهجة استهدفت تدمير القرى والمزارع والمنازل. سرّع هذا التدمير الإسرائيلي واسع النطاق إعادة إنتاج المكان في الجولان، جغرافيًا وديموغرافيًا، ليتلاءم والمشروع القَومي الصهيوني ومُبتغاه. وكان هذا التدمير بمثابة استكمالًا شبيهًا، للتدمير الذي طال فلسطين التي كانت مأهولة عقب النكبة عام 1948. بكلمات أخرى، خَضع المشهدان الجغرافي والديموغرافي في الجولان، لعمليات انطوت على مَحو عنيف، حيث لم يبقَ من مُجمل السكان السوريين في الجولان الذين بلغ عددهم حوالي 130 ألف نسمة قبل الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، سوى ستّة آلاف نسمة بعد الاحتلال، أي 5 بالمئة فقط من عدد السكان الأصلي. وكانت حركة الكيبوتسات الموحّدة، حليفة حزب العمل الإسرائيلي، أولى المجموعات السكّانية التي انتقلت في نفس العام من احتلال الجولان للاستيطان في الثكنات السورية المُهجّرة لتُباشر في تطويرها وإعدادها لغرض الاستيطان المدني.

(صورة لمباني وبيوت مدينة القنيطرة السورية عام 1968، بعد أن استوطنوا فيها مجموعات إسرائيلية من أعضاء “كيبوتس جولان”. المصدر: أرشيف الصور القومي الإسرائيلي The National Photo Collection)

حاجة السوريين في الجولان للمسكن، وسياسة توطين المستعمَر في المستوطنة

يعيش في الجولان اليوم حوالي ستّة وعشرون ألف نسمة من السوريين في ما يشبه الغيتوهات السكنية، أي بناء عامودي في مناطق سكنية محاصرة جُغرافيًا أو شبه مُغلقة، غالبًا ما يحدّها مناطق حدودية وحقول ألغام من الشرق، وأراضي تابعة للمستوطنات الإسرائيلية أو أحراش وحدائق قومية من الغرب تديرها سلطة الطبيعة والأحراش الإسرائيلية. هذا إضافة إلى أوامر هدم البيوت التي يتم إصدارها على مدار العام بحق السكان السوريين المحليين. فبحسب إحصائيّات المرصد – المركز العربي لحقوق الإنسان في الجولان، أصدرت وزارة الإسكان الإسرائيلية أكثر من ألف وخمسمائة أمر هدم بين الأعوام 1983 (قرار ضم الجولان لإسرائيل) و2014.

في قرية مجدل شمس وحدها على سبيل المثال، يعيش اليوم أكثر من عشرة آلاف نسمة من السوريين، وهي تُعتَبر الأكبر بين القرى السورية التي بقيت في الجولان بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967. بالإمكان النظر إلى القرية على أنها غيتو سكني غير قابل لأي توسّع أو امتداد سكّاني وعمراني، يحدّها من الشمال والشرق مناطق عسكرية إسرائيلية وحقول ألغام. من الجنوب يحدّها مناطق زراعية وأراضي خصبة يعتمد عليها السكان كمصدر أساسي لرزقهم وبقائهم بحيث من الصعب الاستغناء عنها واستخدامها لأغراض سكنية. أما من الغرب، فتحدّ القرية كلا من المستوطنات الإسرائيلية “نافيه اتيف” و-“نمرود”.

أقيمت مستوطنة “نمرود” عام 1982 على يد الكتيبة الصهيونية التي حملت اسم “الشبيبة الرائدة والمقاتلة”، وتسكنها اليوم ست عائلات يهوديّة فقط. للمقاربة، تقيم ثلاث عائلات يهودية فيها على مساحة تساوي تقريبًا تلك التي يقيم عليها حوالي 2,300 عائلة سورية في مجدل شمس. أما مستوطنة “نافيه أتيف” فيسكن بها ما يقارب الثلاثون عائلة يهودية. وتعود بدايات محاولات الاستيطان فيها إلى عام 1968 بعد تهجير وهدم القرية السورية جباثا الزيت على يد الجيش الإسرائيلي وقدوم مجموعة من اليهود الأمريكيين للاستيطان على أنقاض القرية. كجزء من الخطة الاقتصادية للاستيطان، بدأت العائلات اليهودية في مستوطنة “نافيه أتيف” بتركيب أولى البنى التحتية لإقامة منتجع التزلّج الإسرائيلي على جبل الشيخ عام 1971 بمساعدة كبيرة من “الوكالة اليهودية”، وأدارت العائلات المنتجع وجنت الأرباح منه بشكل احتكاري حتى أواخر العام 2013، إلى أن أدخلت السلطات الإسرائيلية بعض التعديلات وأمرت العائلات بدفع ما يقارب 5 بالمئة من الأرباح التي يجنيها المنتجع سنويًا للدولة.

في العام 2014 أعلن المجلس الإقليمي الإسرائيلي للجولان (في العبرية: هاموعتساه هأزوريت جولان)، وهي هيئة إقليمية تدير وتنظّم جميع المستوطنات والقرى السورية في الجولان المًحتل بناءً على أوامر الحكومة، عن نيّتها حل جزء مما أطلق عليه اسم “أزمة المسكن” في قرية مجدل شمس، ونقل حوالي ألف دونم من مناطق جباثا الزيت (أي مستوطنة “نافيه أتيف” اليوم) وضمّها إلى الخطة الهيكلية لقرية مجدل شمس بهدف بناء مشروع حي سكني جديد حمل اسم “نيو-مجدل”. إن لمثل هذه الخطوة معنى أكثر خطورةً وتعقيدًا من الادعاء بأن هذه الأراضي ليست ملك للدولة الإسرائيلية أو أنها غير تابعة لسلطة الأراضي الإسرائيلية وأن نقلها هو بمثابة فعل غير شرعي. من منظور الاقتصاد السكّاني في السياق الاستعماري، وفي محاولة للتلاعب الإسرائيلي في موازين القوى السكّانية بهدف رسم خطوط ومعادلات جديدة داخل المنظومة الاستيطانية، فإن توطين سكان مجدل شمس السوريين على أراضي جباثا الزيت التابعة لسكان سوريين (والذين نزحوا بغالبيتهم إلى الداخل السوري عام 1967 جرّاء الاحتلال الإسرائيلي ولا زالوا ينتظرون ممارسة حقّهم الطبيعي والعادل بالعودة إلى أرضهم)، هي خطوة باتجاه جعل السوري في الجولان مُنخرط بشكل تام في مشروع سلب الأراضي الإسرائيلي هناك، وبكلمات أخرى، تحقيق فعلي للادعاء الصهيوني بأن “دروز الجولان هم أيضًا مُستعمِرين ودخلاء على هذه الأرض”. من خلال هذا المنظور، تركّز قراءتنا للاستيطان الإسرائيلي ليسَ على ما كان ولم يعد موجودًا فعليًا فقط، إنما على ما يُبنى اليوم؛ على العمران، التوطين والسكن، على أنها جميعها ممارسات يحاول من خلالها المستعمِر تشويش الحقائق وجعل استعادة الحق التاريخي أمرًا غير مُمكنٍ. لا تسعنا الورقة الحالية الخوض في آليات رد السوريين سكان الجولان على مثل هذه الممارسات السكانية (والإسكانية) والتي من المهم قراءتها والإمعان فيها، ولا الخوض في الأدوات الاقتصادية الحداثية التي تستخدمها دولة الاحتلال في فرض هذ الواقع عليهم، ولكن من المُجدي إعادة تحليلنا للإطار النظري الذي يرى ممارسات (إعادة) توطين السوري في الجولان على أنها محاولة منظومة الدولة قلب موازين التعريفات في السياق الاستعماري، وجعل المستعمَر، ولو بشكل نظري، مُستعمِرًا في وطنه.[4]

الترحيل المفاهيمي والاقتلاع المعنوي للأصلاني

في الفصل الثاني من كتابه، والذي يخصصه لنقاش سياسات السكان وأشكال المحو السكاني في الجغرافيات الاستعمارية الاستيطانية، يرى فيراتشيني (أنظروا الملاحظة الهامشية رقم 3)، بأنه لا يمكن لممارسات المحو التي تنتهجها المجتمعات المستعمِرة بحق السكان الأصليين أو مجموعات المستعمَرين بأن تأتي مُنفصلة عن منظومة محو معرفية. وتحديدًا، يقوم فيراتشيني بالتوسّع في مصطلح “الترحيل المفاهيمي” (Transfer by Conceptual Displacement)، كونه يعمل على سلب الاعتراف بالأحقيّة في الأرض للسكان الأصليين، أو السكان الذين كانوا على الأرض قبل مجيء المستعمِر، وتصويرهم على أنهم دخلاء. وبالطبع، ضمن نقاشه لأطروحته هذه، تحضر النكبة كبنية استعمارية واضحة على السياسيات التي اتبعتها الدولة الإسرائيلية من أجل محو (elimination) الفلسطيني كتعريف قومي أو ثقافي أو اجتماعي، وحصره إمّا بهويّته الدينية (مسلم، مسيحي ودرزي)، أو بكونه “أقليّة قومّية في إسرائيل”، أو بكونه “عربي” فحسب، وغيرها من التعريفات التي فُرضت بغيّة المحو.

في حالتنا المدروسة في الجولان، تحضر سياسة مماثلة لتلك الفلسطينية، والتي من المهم قراءتها أيضًا على ضوء مشاريع التوطين الآنف ذكرها. ففي عام 2017 وكجزء من احتفالات السلطات الإسرائيلية بمرور “خمسين عامًا على الاستيطان” في الجولان السوري، أطلق “المركز التربية والهاسباراه” (في العبرية: مِركاز حينوخ فيهاسباراه) التابع لسلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية حملة إعلامية ضمّت سلسلة فيديوهات مختلفة لمجموعات من المستوطنين في الجولان يسردون فيها تاريخ المنطقة الصهيوني. شدّدت جميع الفيديوهات على القصة الصهيونية للمكان، وعلى الجذور الدينية والتاريخ اليهودي القديم في الجولان من خلال محو وتغييب كل ما هو جزء من التاريخ الحديث، من سكان وشعوب وجماعات وسيادات عاشت في هذه المنطقة تحديدًا. المثير في هذه الحملة، والمُرتبط بشكل مباشر مع ما أحاول تقديمه في هذه الورقة، هو فيديو واحد أصدرته السلطة مُستخدمة شُبّان وشابات من طلاب المدارس من قرى الجولان السورية بهدف سرد “قصّتهم” و-“قصة شعبهم”.

يُقدّم الفيديو باللغتين العربية والعبرية، ويتوجّه بالأساس للجمهور الإسرائيلي، بحيث يبدأ مع شاب سوري يحيي المشاهدين بقوله “تعالوا لنتعلم القليل من التاريخ”، ومن ثم تركّز الكاميرا على شاب متديّن من الجولان يلبس الزي الديني ويقول “هذا لباس درزي تقليدي” (انظروا الصورة الأولى). يتضح من المشاهد الأولى لهذا الفيديو، أن “التاريخ” الذي تهدف السلطة لسرده في هذا الفيديو هو التاريخ الدرزي لهذا المكان.[5] يستمر الفيديو ليصل في سرده للقصة الدرزية في الجولان، ليمحو أية صلة لها مع تاريخها وحاضرها وسياقها السوري، ويشدد بقوله أن الدروز “هربوا إلى المناطق العالية لحماية أنفسهم، وهكذا وصلوا إلى هضبة الجولان”. يعرض الفيديو في نظري خَطّي سرد متناقضين، ولكنهما يحملان الهدف نفسه. فالأول يحاول القول بأن “بداية الدروز تعود إلى المئة الأولى للميلاد”، وأنهم من “القدماء في المنطقة”، وبذلك ربطهم في الأرض أو تعزيز صلتهم فيها برسمها على أنهم دروز فقط، مع محو أي تفصيل أو حقيقة كونهم سوريين. إضافة إلى أنه يتم الإشارة إلى وجودهم في المنطقة ضمن الإشارة إلى أمور اخرى في الطبيعية، كأنواع العصافير، والأنهار، والأشجار، ليصبح بذلك الدرزي هو واحد من عوامل الطبيعة الموجودة في الجولان. أما الخط الثاني، فكما ذُكرَ سابقًا، يحاول عرضهم على أنهم دخلاء قدموا إلى المنطقة نتيجة هروبهم من ظروف تاريخية. القصتان تركّزان على كون هذه الجماعات هي درزية بالأساس وأن وجودها هنا هو جزء طبيعي من ظروف المكان (بدلًا من أن يكون وجودًا سياسيًا أو اجتماعيًا).

(صورة مأخوذة من مشهد كما يظهر في الفيديو الذي أصدره مركز التربية التابع لسلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية والذي يصوّر الزي الدرزي التقليدي ومجموعة شبّان وشابّات يتبعون تعليمات سلطة الطبيعة لمعرفة الأرض والخرائط)

بالطبع، لن نجد منطقًا عقلانيًا في هذا التوجّه الاستعماري للدولة الإسرائيلية وسلطاتها (إن كانت تلك الرسمية، أو مجموعات المستعمِرين على الأرض)، فتارة نراهم يريدوننا منخرطين تمامًا مثلهم في مشروعهم الاستيطاني لنسلب أراضي السوريين مثلنا، وتارة أخرى يريدوننا دخلاء على هذه الأرض، ليسلبوا منّا تعريفاتنا وليفرضوا علينا تعريفاتهم هم. وكذلك الأمر فيما يخص المستعمِرين أنفسهم، يغيب المنطق تمامًا عندما نراهم تارة يحاولون إثبات علاقتهم مع الأرض بطرق مبتذلة واستعمارية (الصورة الأخيرة المرفقة كمثال)، وتارة يركّزون على حداثتهم وحضورهم الأوروبي المنقذ لهذه البلاد. على أية حال، إن الإمعان بهذه السردية الصهيونية تجاه دروز الجولان له أن يكشفنا على المعنى الترحيلي في تعامل الخطاب الصهيوني مع سكان الجولان الذين بقوا في أرضهم بعد الاحتلال، الترحيل الذي تخطّى مفهومه وممارسته الفعلية، وسعى إلى بُعده المعنوي. أي عندما يتم إنكار أصلانية الشعوب الأصلانية في بلادها، وبالتالي يُنظر إليها على أنها دخيلة، وأنها استوطنت في البلاد منذ حقبة تاريخية حديثة، ليضعها في موضع مماثل لذلك الذي يحظى به المستعِمر، ولكن مع التأكيد على علاقة الأخير في الأرض وأحقّيته بها.

(الصورة من مستوطنة “نيمرود” الإسرائيلية المحاذية لقرية مجدل شمس، وفيها خيمات سياحية على شكل بيوت خيمة التيبة التابعة للسكان الأصلانيين في أمريكا الشمالية)

[1] Belich, James. (2009). Replenishing the Earth. The Settler Revolution and the Rise of the Anglo-World, 1783-1939. Oxford, Oxford University Press. See also: Blecher, Robert. (2005). Citizens Without Sovereignty: Transfer and Ethnic Cleansing in Israel. Comparative Studies in Society and History, 47(4), pp. 725–754.

[2]  مصالحة، نور. (1992). طرد الفلسطينيين: مفهوم “الترانسفير” في الفكر والتخطيط الصهيونيين، 1882-1948. مؤسسة الدراسات الفلسطينية. صدر الكتاب أيضًا في اللغة الإنجليزية:

Masalha, Nur. (1992). Expulsion of the Palestinians: The Concept of “Transfer” in Zionist Political Thought, 1882-1948. Institute for Palestine Studies.

[3] Veracini, Lorenzo. (2010). Settler Colonialism: A Theoretical Overview. Palgrave Macmillan UK. See the term: “Transfer by Conceptual Displacement” on page 35.

[4]  فكرة قراءة التلاعب في التعريفات بين المستعمِر والمستعمَر ضمن السياق الاستعماري الاستيطاني في فلسطين ترجع بالأصل إلى قراءتي في مقالة الباحث رائف زريق:

Zreik, Raef. (2016). When Does a Settler Become a Native? (With Apologies to Mamdani). Constellations, 23(3): pp. 351-364.

[5]  والتي هي بالطبع سياسة قديمة، وتم التركيز عليها في العديد من الدراسات، منها أيضًا دراسة قيّمة قدّمها بشار طربيه:

Tarabieh, Bashar. (1995). Education, Control and Resistance in the Golan Heights. Middle East Report and Information Project, Volume 25.