مجد كيّال

 

“سيكون ليلًا قطبيًا من الظُلمة والقسوة المتجمّدتين…” – ماكس فيبر

 

لم تكتمل النكبة بعد. لا زلنا هنا ولا يزال الحساب مفتوحاً، للمجرم كما للضحيّة، مناضلةً كانت أم خانعة. وبينما نسعى تائهين نحو العدالة والحريّة، يمضي المجرم في التغيّر والتحوّل صانعاً، بحِرفيّةٍ عالية، ماكينة الدم والقمع التي لا تعرف، لا ترى، لا تسمع ولا تلمس أي حسٍ غير هدفها الوحيد، أيديولوجيّتها الوحيدة، هوسها الوحيد: تأمين أغلبيّة يهوديّة مستعمِرة في أرض فلسطين.

ليست هذه قراءة تاريخيّة للفكر الصهيونيّ فحسب، إنما هو الواقع اليوميّ في داخل إسرائيل. في الصحافة والمؤسسات الحاكمة، في “المجتمع المدني” والإنتاج المعرفي. كل منبرٍ يضجّ بهوس الأغلبيّة اليهوديّة، وكلّ زاويةٍ تعيش كابوس الأغلبية العربية. أما أركان النكبة الخمسة ــ المجازر، التهجير، الهدم، المصادرة، والحكم العسكريّ ــ فهي مستمرّة دون توقّف. هكذا، في ظلّ النفي الوجودي، فإن الماهيّة الوحيدة للسياسة الإسرائيليّة بالنسبة للفلسطينيّ هي التطهير العرقيّ.

يحاول هذا النص أن يفهم كيف يتغيّر الإطار القانوني للقمع الإسرائيلي، وما الدور الذي تشغله هذه التغيّرات في تصميم التطهير العرقي مستقبلاً، وكيف يتلائم مع السياق الاجتماعي والسياسي في إسرائيل اليوم.

كيف يتغيّر القانون؟

يوم 14 كانون أوّل/ ديسمبر 2017، أصدرت المحكمة الإسرائيليّة العليا قراراً بشأن التماس قدّمته مؤسسات حقوقيّة فلسطينيّة لتحرير جثامين الشهداء المحتجزة لدى إسرائيل. في قرارها، قبلت المحكمة إدعاءات المنظّمات الحقوقيّة بأن الشرطة الإسرائيليّة تحتجز جثامين الشهداء بهدف الضغط على عائلاتهم وفرض قيودٍ على مراسم دفنهم، وأن الشرطة تفعل ذلك “دون صلاحيّة قانونيّة”، وقد بتّت المحكمة لصالح المنظّمات التي تمثّل عائلات الشهداء. في أيلول/ سبتمبر من العام ذاته أصدرت المحكمة الإسرائيليّة العليا قراراً آخر: ألغت قرار وزير الداخليّة الإسرائيليّ سحب الإقامة الدائمة من أربعة نوّاب المجلس التشريعي المقدسيين ــ أحمد عطّون، محمد أبو طير، محمد طوطح، وخالد أبو عرفة ــ وكان يعني تهجيرهم من مدينتهم إلى الضفّة الغربيّة، وذلك بحجّة أنّهم “خرقوا الولاء لدولة إسرائيل”. في هذه القضيّة أيضاً، وجدت المحكمة العليا أن وزير الداخليّة لا يملك الصلاحيّة القانونيّة لسحب الإقامة الدائمة على خلفيّة “خرق الولاء”.

إلى هنا، تبدو قرارات المحكمة ورديّة، إلا أن هذين القرارين ينقصهما تفصيل هام: في الحالتين، جمّدت المحكمة العليا قرارها لستة شهور يتسنّى خلالها للحكومة الإسرائيليّة تقديم مشروع قانون جديد يُعدّل القانون القائم بحيث تُعطى الصلاحيّات لوزير الداخليّة أو للشرطة لسحب الإقامة أو احتجاز الجثامين ــ لارتكاب جرائمهم دون الإخلال التقني بالقانون وبتوزيع الصلاحيّات. تلقائياً، قدّمت الحكومة الإسرائيليّة للبرلمان مشروعي قانون لتقنين وشرعنة أفعالها بما يتلائم مع قرار المحكمة. ببساطةٍ شديدة، ودون معارضةٍ تُذكر، وبتغطيةٍ لا تتعدّى 300 كلمة في الصحافة الفلسطينيّة والإسرائيليّة على حدٍ سواء، سنّ البرلمان الإسرائيلي خلال آذار/ مارس الجاري قانونين يسمحان باحتجاز الجثامين وتهجير نوّاب المجلس التشريعي المقدسيين من مدينتهم بحجّم “خرق الولاء” لإسرائيل.

ليست هذه الحالة الأولى التي يُصاغ فيها القانون بهدف الالتفاف على قرارات تقنيّة للمحكمة. يُمكن إحصاء قائمة طويلة من القوانين التي سُنّت كرد فعلٍ على قرارات “إيجابيّة” للمحكمة اعتمدت على نقاش الالتماسات الحقوقيّة بمنظار قانوني تقني بدلاً من منظار حقوقي مبدئي، أو بمنظارٍ حقوقي معطوب لمجرد التزامه بالقيم الصهيونيّة المناقضة للديمقراطيّة جوهرياً. بات هذا النهج ــ تعديل القوانين لتجاوز قرارات المحكمة ــ مرتبطاً بعاملين متشابكين: تركيبة الحكومة الإسرائيليّة المنسجمة كلياً في أشكال نفي الوجود الفلسطينيّ من جهة. ومن جهة أخرى، النهج المحافظ للمحكمة الإسرائيليّة التي باتت تعتمد البحث التقني، غير الحقوقي بما يتعلّق بقضايا الفلسطينيين. ويتشابك هذان العاملان من خلال النوايا المعلنة للأحزاب الإسرائيليّة الحاكمة لإحداث تغييرات جذريّة في النظام القضائي وتركيبات القضاة.تشكّل ديناميّة تغيير القانون هذه منتوجاً نهائياً: شكلاً جديداً من قمع الفلسطينيين ونفي وجودهم المادي والسياسي. هنا، يُطرح سؤالان: أولاً، كيف يُمكن لتغيير في القانون أن يُحدث تغييراً شاملاً في منظومة القمع؟ ثانياً، كيف تتفاعل السلطات الثلاث، وما هي أدوارها، في إنتاج هذه الديناميّة؟ وبعد الإجابة على هذين السؤالين يتصدى الجزء الثاني من النص لسؤال: إلى أين وإلى ماذا تقود هذه التغييرات في الإطار القانوني؟

كيف تتألف المنظومة الشاملة؟

تضطر الجهات الحقوقيّة المهنيّة إلى نقاش القوانين بما يوقعه القانون من غبنٍ في الحاضر. تناهض الجهات الحقوقيّة الوظيفة المباشرة التي يؤدّيها القانون، أما تحليل الوظائف غير المباشرة فتبقى إمكانيّاتها محدودة بطبيعة الحال بالنسبة للجهات المهنيّة، ومن ضمنها منظّمات حقوق الإنسان كمنظّمات غير مسؤولة عن العمل السياسي. يُحبط النقاش المهنيّ إمكانيّات عديدة لتوقّع وتخيّل ما يُمكن للإسرائيليين فعله بهذا القانون وكيف يستخدمونه. فبوسع منظمة حقوقيّة أن تحلل، مثلاً، بأن قانون سحب الإقامة الدائمة بحجة “خرق الولاء” يشكل أداة لتهجير المقدسيين من المدينة إلى الضفّة الغربيّة. لكنّ وجهة النظر هذه، أقل ما يقال فيها، أنها تتعامل مع القانون باعتباره ساكناً. بيد أن الميزة الأهم للقانون، خاصةً في الظروف السياسيّة القائمة في فلسطين، أنّه دائم التطوّر والتغيّر، وأنه لا يمكن قياس القانون بما يصنعه الآن وإنما بما يوفّره من إمكانيّات مستقبليّة.

قراءة القانون باعتباره متغيّراً تتطلّب إضافة ثلاثة معايير أخرى: المعيار الأوّل، إمكانيّة تعديل القانون مستقبلاً أي ما الذي يُمكن أن يضاف إليه أو يتغيّر فيه دون أن تلحقه أي احتجاجات أو معارضة، وكيف يرفع تعديل القانون السقف بدرجةٍ واحدةٍ لا غير، لكنه يفتح الإمكانيّة للمراكمة المستمرة؟ المعيار الثاني هو كيف يتفاعل هذا القانون مع القوانين الأخرى المتعلّقة به؟ ثالثاً، معيار الظرف الاجتماعي والسياسي المتغيّر الذي لا يمكن ضمان مآلاته. هذه معايير لا تستطيع مهنة القانون وحدها أن تُجيب عليها، إنما هي أسئلة قانونيّة تُبحث في حقول الاستراتيجيا وعلم الاجتماع السياسيّ، ولا بد من التنبّه إلى محدوديّة التفكير القانونيّ في هذا المجال.

في شرح معيار التعديلات: عملياً، مُعظم القوانين العنصريّة والقمعيّة في إسرائيل تُسن كتعديلات لقوانين قائمة أصلاً (إجراء سنّ التعديل مطابق لسن القانون). معنى ذلك أن كل تعديل للقانون يفتح الباب لتعديل إضافي يتفرّع منه مستقبلاً ويمكّنه، عملياً، من تعميق القمع. وقد يكون أفضل مثال على ذلك البند 7 من “قانون أساس: الكنيست”، وهو البند الذي يُنظّم إمكانيّة منع الترشّح للبرلمان، وبالتالي فهو يتطرق لملاحقة وقمع الأحزاب الفلسطينيّة داخل الأراضي المحتلّة عام 1948.

قبيل الانتخابات الإسرائيليّة عام 1984 مُنعت “القائمة التقدميّة للسلام” (وهي قائمة انتخابيّة أسستها حركات فلسطينيّة داخل الخط الأخضر إلى جانب يهود مناهضين للصهيونيّة) من الترشّح للبرلمان، إلا أن الحركة قدمت التماساً للمحكمة العليا قبيل الانتخابات، وقد نقضت المحكمة قرار المنع البرلمانيّ. بعد الانتخابات، وكرد فعل على قرار المحكمة، عدّل البرلمان البند 7 من “قانون أساس: الكنيست”، وأضاف إليه بنداً فرعياً (تعديل رقم 9) يمنع ترشّح “من يهدف ويعمل، بشكلٍ مباشرٍ أو ضمنيّ من أجل نفي وجود دولة إسرائيل كدولة الشعب اليهودي، ينفي الطابع الديمقراطيّ للدولة، يحرّض على العنصريّة”، حتّى ينطبق قانون المنع على القائمة التقدميّة في الانتخابات القادمة.

من هنا، بدأ البند الفرعيّ 7 (أ) يتدحرج ككرة ثلج: التعديل رقم 35 عام 2002، بعد انطلاق الانتفاضة الثانية، أضاف منع ترشّح “من يدعم الكفاح المسلّح لدولة عدو أو منظمة إرهابيّة ضد دولة إسرائيل”. هذا التعديل فتح باباً لتعديلٍ إضافيّ يتفرّع منه. عام 2008، بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2006 وزيارة نوّاب من حزب “التجمّع” ضاحية بيروت الجنوبيّة، جاء التعديل رقم 39، والذي يعتبر أنّ “المكوث في أرض عدوّ في السنوات السبع السابقة للترشّح” هو نوع من “دعم الكفاح المسلّح”، وبالتالي ينطبق عليه التعديل رقم 35. وفي العام 2017 أضيف التعديل 46 والذي يضيف إلى التعديل 9 منع من “يُعبّر في تصريحاته” عن نفي وجود دولة إسرائيل كدولة يهوديّة، أي أن لا حاجة “ليعمل” المرشّح ضد الدولة اليهوديّة كي يُمنع من الترشّح، بل تكفي لذلك تصريحاته. هذا من جانب يشرح كيف تُستخدم آلية تعديل القانون كأداة لإجراء تغييرات تراكميّة صغيرة لكنّها تؤدّي بشكلٍ بطيء إلى تحوّل القانون فاشياً دون أن يجتذب ذلك أي معارضة دوليّة أو حتى اكتراث فلسطيني، بل ويستدرج الفلسطينيين، من خلال التماسهم لجهاز القضاء، للمزيد من التنازلات من أجل ملائمة نفسهم مع هذا القانون.

أما المعيار الثاني عن كيف تتفاعل القوانين فيما بينها، فإن “العمل والتصريح” الذي يشكّل دعماً للكفاح المسلّح “لدول عدو أو منظّمات إرهابيّة” بحسب البند 7(أ) من قانون الكنيست، يرتبط بقوانين وأوامر حكوميّة أخرى هي التي تُعرّف ماهيّة “الدولة العدوّ” و”المنظّمة الإرهابيّة”. فالقانون الإسرائيليّ الجديد الذي سُنّ عام 2016 تحت حجّة “مكافحة الإرهاب” يعرّف، بحسب مركز عدالة الحقوقي، “النشاطات السياسيّة وحتّى الإنسانيّة والثقافيّة للفلسطينيين داخل إسرائيل، على أنّها عمل إرهابيّ لمجرد أنّها تناهض الاحتلال وتساند ضحاياه”. وبهذا، فهو يوسّع إلى حدّ بعيد إمكانيّات استخدام “قانون أساس: الكنيست” لمنع التمثيل السياسيّ للفلسطينيين في الداخل، إضافةً طبعاً إلى أنّه يسهّل عمليّة إعلان أي رابطة أو جمعيّة في العالم كمنظمة إرهابيّة حتّى لو كانت منظمة خيريّة (مثل منظّمة IHH التركيّة التي نظّمت “أسطول الحريّة” إلى قطاع غزّة)، أو حتى إن كانت نعتاً لتحرّك اجتماعي/ جماهيري ليس له أي وجود تنظيمي فعلي (مثل إعلان “الحراك الشبابي” في فلسطين منظّمة إرهابيّة).

هذه أمثلة تتعلّق في مجال واحد وضيّق جداً: الترشّح للبرلمان. وهناك مجالات أخطر بكثير يجري فيها تعديل القانون بشكلٍ مستمرٍ، بدقةٍ وبمراكمة تخلق بشكل بطيء قوانين مُمْعنة في قمعيّتها دون أن يجرّ سنّها موجة استنكارٍ أو رفض. جهاز القوانين متشعّب ومتشابك، يتفاعل مع بعضه البعض ويدفع باتجاه المزيد من القمع. وأخطر ما في هذه القوانين أنها تولد ــ وهذا المعيار الأهم ــ مجتمعاً استعمارياً متغيّراً هو بدوره، وهي تؤسس بتروٍ للحظة التي “تنزع فيها القيادة صمّام الأمان” (بكلمات المؤرّخ الإسرائيليّ يجئال عيلم) لينفجر المجتمع المُستَعمِر، فيكون القانون جاهزاً ليؤطّر الجريمة المرعبة.

تعديل القانون الذي يسحب الإقامة الدائمة من المقدسيين بحجّة “خرق الولاء” يُمكنه أن يتحوّل بين ليلةٍ وضحاها، لو أرادت القيادة الإسرائيليّة ذلك، إلى سلاح لتهجير عشرات آلاف الفلسطينيين من القدس خلال سنوات معدودات. يمكن ذلك من خلال تقنين وتوسيع مفهوم “خرق الولاء” إلى أبعد حد وربطه بالتعريف الواسع الذي تعتمده إسرائيل “للإرهاب” (حتى النداء لمقاطعة إسرائيل بات في عرف المحكمة العليا “إرهاباً سياسياً”). السؤال، إذن، لا يتعلّق بالحاضر. ولا يتعلّق بما نراه ممكناً أو غير ممكنٍ اليوم. لكنّه يتعلّق بما يفتحه القانون من إمكانيّات مستقبليّة تدفعه إلى عبثيّة مرعبة وجريمة كُبرى.

تهذيب الاعتباط

واحدة من أكثر الصفات استخداماً في وصف السياسات الإسرائيليّة في الصحافة الفلسطينيّة والعربيّة هي صفة “التعسّف”، إذ اعتادت مؤسسات حقوق الإنسان اعتمادها كترجمة لمصطلح ” arbitrariness، وإن كانت الترجمة الأنسب هي “الاعتباط”، أي أنّها سياسة عشوائيّة أو تعتمد على معايير غير موضوعيّة ولا سببيّة ولا منهجيّة. في السياق القانونيّ تُستخدم الصفة للإشارة إلى الممارسات القمعيّة التي تخالف القانون الإسرائيليّ بذاته. على هذا المستوى فإن ماهيّة فصل السلطات في إسرائيل، بالنسبة لحقوق الفلسطينيين، هي منع اعتباط وتعسّف وعشوائيّة القمع والحفاظ على أن يُمارَس وفق القانون، وليس منع القمع أو الظلم بحدّ ذاتهم.

حين تتعلّق القضيّة بحقوق الفلسطينيين، نستطيع أن نراقب في إسرائيل ظاهرةً سياسيّة مثيرة للاهتمام: ممارسة لمبدأ فصل السلطات مجرّداً من مبدأ التوازنات والضوابط. عملياً، لا تشكّل السلطات المنفصلة روادع فيما بينها، وإنما تشكّل منظومة تتكامل لتنجيع وترتيب ومراقبة قمع الفلسطينيين بهدف عقلنته بواسطة القانون. تَشْغل المحكمة دوراً يمتحن قانونيّة الممارسة (وليس عدالتها) فلا تمنع الممارسة المجحفة، وإنما تُجبر الحكومة على تقنينها. عملياً، تعمل المحكمة كصمام يحفظ عقلانيّة القمع، وتضمن إدارته في إطار موضوعيّ واضح ومنظّم. أما الحكومة المنسجمة تماماً من حيث الاتفاق على أشكال وأساليب قمع الفلسطينيين، فهي تحاول صياغة القوانين بأنجع شكلٍ ممكنٍ وتتحمّل على عاتقها حساب الانتقادات أو الإسقاطات الدوليّة أو الأمنيّة أو حتى على صعيد السياسة الداخليّة، لهذا القانون أو ذاك، كما يحدث في قوانين ضم الأراضي المحتلّة، أو كما حدث في مشروع قانون “برافر” لهدم وتهجير القرى غير المعترف بها في النقب، وتُقدّمها للبرلمان ليصادق عليها دون أي معارضة تُذكر. عملياً، تضمن المحكمة تنفيذ سلطة القانون من خلال تعديل القانون لا من خلال تقويم ممارسات السلطة.

لكن المثير أن هذه العمليّة الجدليّة “البنّاءة” بين المحكمة والحكومة، والبرلمان كأداة توفيق بينهما، لا يُمكنها أن تعمل دون ملتمسين للمحكمة. ليس للمحكمة صلاحيّة بالتدخّل في عمل الحكومة من تلقاء نفسها، إنما هي تتجاوب مع الدعاوى التي يُقدّمها الفلسطينيّون بواسطة محامين خاصّين أو مؤسسات حقوقيّة. عملياً، كل التماس يُقدّمه فلسطينيّ للمحكمة العليا مطالباً بحقّه، مدّعياً أنّ ممارسة إسرائيليّة معيّنة ارتُكبت “دون صلاحيّة قانونيّة” أو بشكلٍ مخالفٍ للقانون الإسرائيليّ، هي بالوقت ذاته مجازفة بأن يؤدّي القرار إلى تغيير في القانون الإسرائيليّ، وأن تتحوّل الممارسة التعسفيّة إلى قانون دائم. على المستوى النظري، نقف أمام فارقٍ جديّ: يتحوّل القمع من ممارسةٍ تختارها السلطة إلى قانونٍ مُلزِم وفقاً لمبدأ “سلطة القانون”. صحيح أن هذا الفارق النظريّ لا يغيّر الكثير بالنسبة لقمع الفلسطينيين في المستقبل القريب، ولكنه يتّخذ بعداً مختلفاً كلياً حين نبدأ بقراءته في السياق الاجتماعيّ المتغيّر لمجتمع المستعمرين الإسرائيليّ واحتمالاته المستقبليّة على المدى البعيد.

 

إلى أين وإلى ماذا تقود هذه التغييرات في الإطار القانونيّ؟

في كانون أوّل/ ديسمبر 2014، نشرت صحيفة هآرتس مقالاً للمحامي حسن جبارين، المدير العام لمركز “عدالة”، يناقش فيه مسألة “قانون القوميّة” الذي تسعى الحكومة الإسرائيليّة لسنّه، وهو مشروع قانون أساس (أي أنّه بمكانةٍ دستوريّة) يعرّف إسرائيل بأنّها الدولة القوميّة للشعب اليهودي. بكلمات أخرى، فهو يجعل حق تقرير المصير حقاً حصرياً للشعب اليهودي فقط. في نصّه، يقول جبارين أن “قانون القوميّة” لا يختلف بأي شيء عن الإطار الفقهيّ الذي حكمت المحكمة الإسرائيليّة بحسبه في كل قراراتها، وأنّه لا يُحدِث أي تغيير جذري بطبيعة النظام في إسرائيل. لكنّه يسأل عن السبب الذي جعل جزءاً من الأحزاب الإسرائيليّة (التي تُسمي نفسها “وسطيّة” أو “يساريّة”) تعترض بشدّة على “قانون القوميّة”، رغم أنها أحزاب متمسّكة بتقاليد ومبادئ الدولة اليهوديّة والأيديولوجيا الصهيونيّة ونفي الفلسطينيين. الإجابة التي يقترحها جبارين هي الآتية: “تقاليد الحكم التي وضعها بن غوريون ترى بأن القانون يجب أن يبقى نظيفاً من التمييز العرقي من أجل إظهار إسرائيل في العالم كدولة ديمقراطيّة، بحيث تتولّى السلطة التنفيذيّة والقضائيّة مهمة التمييز الإثني،” ويضيف: “حكومة نتنياهو ترفض الإنصياع لهذه التقاليد، وتطالب بإرساء قانوني للممارسات العنصريّة القائمة أصلاً. وذلك حتّى يستعيد البرلمان وظيفته التشريعيّة ويتحوّل عاملاً فاعلاً غير سالب”.

لماذا يفعل نتنياهو ذلك؟

لا شكّ بأن الإجابة التي يقدّمها جبارين تصف الحالة التي أمامنا، لكنّها تفتح أسئلةً أكثر مما تُجيب عليها: لماذا تُريد حكومة نتنياهو أن تُعيد القوّة الفاعلة للبرلمان؟ لماذا تهتم بنقل التمييز العنصري والقمع من الممارسات الإداريّة والتنفيذيّة والقرارات القضائيّة إلى كتاب القوانين الثابتة التي تحكم الدولة؟ لماذا تتقدّم الصهيونيّة في تطوير منظومة قمع تقوم على القانون بدلاً من “التعليمات الصغيرة” كالأوامر العسكريّة، القرارات الحكوميّة وقرارات القضاء؟

يتناغم التحوّل الذي يصفه جبارين مع تحوّل آخر يجري، بالمقابل، في قرارات المحكمة الإسرائيليّة كما وُصفت في القسم الأوّل من هذا المقال، والتي تتّجه في جميع القضايا المتعلّقة بحقوق الفلسطينيّين باتجاه القرارات التقنيّة التي تتعلّق بالتنفيذ البيروقراطي للقانون والانصياع المضبوط إلى توزيع الصلاحيّات. عملياً، تتنازل المحكمة عن حاجتها لتبرير العنصريّة بلغة حقوقيّة دستوريّة، وعن صياغة السرديّة الإثنيّة بلغةٍ تَحفظ، ولو بالشكل، قيم الديمقراطيّة الليبراليّة. ولا بد من التمعّن بالسؤال هذا الجانب تحديداً.

من أين نُفكّر بإسرائيل؟

تجري في إسرائيل تحوّلات اجتماعيّة جديّة تتجادل مع النظام السياسيّ. ولعلّ السياق الأهم في توصيف هذه التحوّلات الاجتماعيّة هو ما وصفه العديد من الأكاديميين الفلسطينيين على أنه “تحوّل الحركة الصهيونيّة إلى دولة”. إلا أنّ هذا التحوّل لا يرتبط بتأسيس الدولة الإسرائيليّة نفسها قدر ما هو يرتبط بتفكك الحركة الصهيونيّة التقليديّة، بمعنى الصهيونيّة الأشكنازيّة “العلمانيّة ــ الاشتراكيّة”، متمثّلة بحزب ماباي بقيادة بن غوريون وصولاً إلى رابين، وبداية انحسار هذه الحركة وتآكلها ليس في تحصيل أغلبيّة انتخابيّة فحسب (فهذا محسوم منذ زمن)، وإنما في بداية انقضاء أيامها كطبقة نخبويّة مُهيمنة في جهاز القضاء والجهاز البيروقراطيّ كما في الجيش والأمن الداخليّ (والإعلام والأكاديميا وغيرها…).

تحرّكت النخب الصهيونيّة الأشكنازيّة التقليديّة حتّى الآن في فلك الحزب الأيديولوجيّ بثقافته الجامعة والمتجانسة، ليشكّل هذا الفلك الاجتماعيّ سلطةً فعليّة تتفوّق على الدولة، فتكون مؤسسات الدولة تجسيداً لإرادة الحزب أكثر من كونها إطاراً علوياً جامعاً تتنافس داخله الأحزاب. الدولة، برمّتها، ملكاً لحزب “ماباي” وليس العكس. ولأن أيّام هذا الفلك الحزبيّ ولّت (لأسباب لا مكان لحصرها هنا)، فإن العقليّة الموجِّهة للدولة الإسرائيليّة لم تعد تلك القيميّة ــ الصهيونيّة التقليديّة التي أسست المستعمرات الأولى وهجّرت الفلسطينيين واحتلّت فلسطين في “النكبة” وهزيمة 1967، إنما هي عقليّة نخبويّة جديدة (تتمثل تحديداً في الصهيونيّة المتديّنة، ولكنّها أوسع منها بكثير)، تنشأ وتعمل من داخل الدولة بل وتحاول تسخير الدولة القائمة لصالح أهدافها. فنقرأ في الصحافة الصهيونيّة “اليساريّة” مثلاً، ادعاءات “النخبة التقليديّة” ضد ممارسات الحكومة الحاليّة وجرائم الجيش والاستيطان بأنها مناقضة “للقيميّة” التي حملها “الآباء المؤسسون” الذين “هربوا من المحرقة وعمّروا أرض إسرائيل”!

ولا شك بأن إعادة القوّة إلى البرلمان، كما يصفها جبارين، تتّصل باعتماد هذه النخبة الجديدة في وصولها الحكم على الشعبويّة. وقد استغلّت هذه الشعبويّة خطاباً هويّاتياً يغازل شريحة إسرائيليّة مضطهدة. يعود سقوط حكم “ماباي” الأوّل إلى قدرة “الليبراليّين” الصهاينة، متمثّلين بالليكود، على تأليب الشرائح اليهوديّة الشرقيّة ضد حكم “ماباي” في انتخابات 1977، باعتباره حكماً أشكنازياً نخبوياً يحتكر مؤسسات الدولة لصالح الحزب وبالتالي لمصالح الفئة الإثنيّة الأوروبيّة. إضافة إلى أن انتخابات 1977 (وفوز “الليكود” لأوّل مرة) كانت نقطة بداية عهد الخصخصة الذي بدأ مسار تفكيك احتكار النخبة الأشكنازيّة لمؤسسات الدولة الماليّة المُنتجة (كشركات التموين والكيماويّات والإتصالات)، لقد كانت هذه الانتخابات كذلك ضربةً قاسمةً لمشروع “فرن الصهر” الذي اعتمده بن غوريون، والذي هدف إلى تكوين هويّة وطنيّة “إسرائيليّة” جامعة لليهود بمعزل عن الفروقات الإثنية والثقافيّة والدينيّة بينهم. أو بكلمات أصدق: هدفت إلى إخضاع وطمس كل الهويّات الإثنيّة والثقافيّة والدينيّة لمختلف اليهود المستعمِرين في فلسطين وادماجهم في الهويّة اليهوديّة الأشكنازيّة التي رأى الصهاينة بها (ككل استعمار أوروبيّ) هويةً متفوّقة.

لكن ما الذي يدفع النخبة الصهيونيّة الجديدة، المولودة من رحم الدولة اليهوديّة، في سياق حربها مع النخبة التقليديّة، إلى كل هذا التعمّد والهوس في إعادة تشكيل القانون الإسرائيليّ وتضمين السياسات العنصريّة والدمويّة فيه؟ للإجابة على هذا السؤال، لا بدّ من التوسّع قليلاً في وظيفة القانون كحجر أساس في بناء البيروقراطّيّة، وسلطة القانون العقلانيّ كتشكّل اجتماعيّ في الدولة الرأسماليّة. وفي أن هذا التشكّل هو الوحيد القادر على استبدال سلطة الحزب الأيديولوجيّ كسلطةٍ تقليديّة.

عن بناء القفص الحديديّ

شكّلت المفاهيم التي طوّرها ماكس فيبر في علم الاجتماع أساساً قويّاً لعدد كبير من المفكّرين اللاحقين الذين حاولوا تحليل وفهم النُظُم الفاشيّة بعد الحرب العالميّة الثانية. ضمن هذه المفاهيم، طوّر فيبر فهمنا للعلاقة بين قيم الحداثة ــ ومنها الموضوعيّة العلميّة والعقلنة ــ بنشوء السلطة العقلانيّة أو سلطة البيروقراطيّة التي تفوّقت في المجتمعات الرأسماليّة على السلطة التقليديّة أو الكاريزماتيّة. في مقاله حول “الموضوعيّة” في العلوم الاجتماعيّة، يطرح ميّزة أساسيّة للعلوم الحديثة: أنّها تُعنى بالكيفيّة وليس بالهدف النهائيّ، تبحث في سؤال “كيف” لا في سؤال “لماذا”. وترتبط هذه الميّزة بتشكّل ما يُسمّيه “العقلانيّة الأداتيّة” ــ عقلانيّة جوهرها الوسائل وحساب النجاعة لتحقيق الأهداف، بمعزل عن طبيعة هذه الأهداف. بحسب فيبر، فإن البيروقراطيّة هي المنتوج الأعظم لعمليّة العقلنة، وأن عقلانيّة العقلنة هي أساس السلطة القانونيّة.

في المعنى الأوسع للفصل العنصريّ

في “الاقتصاد والمجتمع”، يصف فيبر جبروت البيروقراطيّة، يعتبرها واحدةً من “المباني الاجتماعيّة الأصعب للتدمير”، يقول: “البيروقراطيّة هي وسيلة تحويل الفعل الاجتماعيّ إلى فعلٍ منظّم عقلانياً”، وهو ما يلقي بثقله على كل فردٍ خاضعٍ لهذه البيروقراطيّة، فتُهمّش الاعتبارات التقليديّة أو العاطفيّة أو الشخصيّة (“غير الموضوعيّة”) لصالح الاعتبار التنظيميّ. ويُسمّي خضوع الإنسان لهذه المنظومة “قفصاً حديدياً”، فيؤدّي الأفراد وظيفتهم “دون أي قدرةٍ للتأثير على حركتها”. وتنزع المنظومة الخصوصيّة الشخصيّة، فتفصل “العمل الرسميّ” عن “مجال الحياة الشخصيّة”. وبكلماته: “كلّما زادت مثاليّة البيروقراطيّة، كلّما انعدمت انسانيّتها، هكذا استطاعت أن تنفي الحب، الكراهيّة، وكلّ العوامل الشخصيّة المحضة، غير العقلانيّة، والعاطفيّة التي تفلت من إمكانيّة حسابها”.

اعتماداً على هذه المفاهيم المفتاحيّة، والتي لم يقدّم فيبر موقفاً عدائياً اتجاهها، أسس مفكّرو ما بعد الحرب العالميّة الثانية ربط الفاشيّة بقيم الحداثة والعقلنة والبيروقراطيّة. فنقرأ في “جدل التنوير” لأدورنو وهوركايمر بأن ثقافة التنوير العقلانيّة أدّت إلى انتصار الفاشيّة من خلال تطهير المعرفة من العامل الإنساني والقيميّ، وإهدار الطبيعة والإنسان بشكلٍ أعمى (أو أصم، إذا ما اعتمدنا مثال أوديسيوس المُستخدم في الكتاب) لصالح وسائل الإنتاج الرأسمالي. ومن بعدهم حنّة أرندت في “اعتياديّة الشر” (أو تفاهة الشرّ في ترجمات أخرى)، حيث رصدت شخصيّة الضابط النازي آيخمان لتحاجج بأنّ البيروقراطيّة والوسائل الإداريّة للمحرقة شكّلت السياق المبرِّر لانفلات تفاهة الإنسان وعاديّته، مصالحه الشخصيّة وأطباعه الرثّة. أما زيغموند باومان، فهو يربط المحرقة بالعقلانيّة الإجرائيّة بعلاقةٍ مباشرةٍ.

على خلفيّة هذه المفاهيم، نطرح هذا السؤال: هل يُمكن اعتبار المنهجيّة الإسرائيليّة الجديدة في قوننة القمع، بدايةً لتأسيس بيروقراطيّة قتل وتهجير؟ هل وصل المجتمع الإسرائيلي في أيّامنا، بسبب عمليّات الخصخصة وتوغّل النيوليبراليّة التي باتت تستبدل الصهيونيّة التقليديّة، إلى إنشاء جهاز قمع “مستقل” يعمل بمعزل عن أي أثر اجتماعيّ على الإسرائيليين؟ وهل تحتاج إسرائيل إلى منظومة تهجير بطيء تضمن إمكانيّة التهجير حتّى من دون ظروف متطرّفة تُبرر عمليّات التطهير العرقيّ؟

الصورة كما قد نراها غداً

لماذا تتمترس النخبة الجديدة بالقانون؟ قبل أي شيء آخر، لأنّ حاجة بن غوريون لإظهار “الديمقراطيّة” لم تعد تمسّ العالم اليوم مثلما مسّته في الأربعينيّات والخمسينيّات، بل تظهر في العالم تيّارات سياسيّة تتسلّم زمام الدول العظمى وتبني نفوذها أصلاً على مناهضة الديمقراطيّة. ثم لأن وصول النخبة الإسرائيليّة الجديدة إلى الحكم حصل عبر السلطة التشريعيّة، عبر البرلمان، وبالتالي فهذه وسيلتها الأكثر نجاعةً لتمكين عمل السلطة التنفيذيّة، لا سيما وأنّ علاقة تضادٍ ونفور تربط الأغلبيّة البرلمانيّة (ممثلةً للنخبة الجديدة) بجهاز القضاء الذي مثّل النخبة القديمة تاريخياً. أما الأهم: تتمسّك النخبة الجديدة بتغيير القانون لأن هذه طبيعتها الأيديولوجيّة أولاً. يقود الليكود إسرائيل بمنهجيّة نحو مجالات متطرّفة من الرأسماليّة، فيها النيوليبراليّة شعاراً والبشريّة المعولمة أثمن فرائس الرأسماليّة وأشهاها، ولا يُمكن لهذه الطبيعة الأيديولوجيّة إلا أن تتصرّف بعقليّة تسخير كل الإمكانيّات باتجاه هدفها الأسمى، وأن تخلق خطوط إنتاج يغترب فيها الإنسان عمّا يُنتجه فلا يعود يشعر حياله لا بحُبٍ ولا بكراهية. وحين تكون الماكينة ماكينة إنتاج للقمع، تعمل إسرائيل لخلق حالةٍ لا يشعر فيها المستعمِر حيال قمعه الدمويّ لا بلذةٍ ساديّة ولا بذنبٍ أو عار، إذ أن المبررات الأيديولوجيّة الأولى للصهيونيّة لم تعد كافية لرأب التنافر المعرفيّ بين صورتها الديمقراطيّة وجوهرها الدمويّ، وبات المجتمع يتطلّب منظومة صارمة تفصل بين حياته البشريّة الطبيعيّة وممارسته الدمويّة تجاه الفلسطينيين. هذه المنظومة لا يُمكنها أن تعمل دون قانونٍ يفعّل بيروقراطيّة القمع. فالإسرائيليّ لم يعد مهاجراً يحمل أيديولوجيا استعماريّة، يشمّر عن ذراعيه ويبني مستوطنات ويطمع لاحتلال الأرض. ولا يُمكن، بالتالي، الاعتماد على “روح الجماعة” التي تُعطيه الإشارة لتنفيذ التهجير حتّى في حال لم تكن أوامر مباشرة. لم تعد الأغلبيّة الإسرائيليّة “ابنة حركة” تعرف أن تحقيق وجودها غير ممكن إلا بطرد الفلسطينيين. فالآية الآن معكوسة: الدولة قائمة، وليس من سببٍ وجوديّ للحرب، حتّى أن المقاومة العربيّة تراجعت منذ نهاية الانتفاضة الثانية ولم تعد بحدّ ذاتها تشكّل تبريراً (كاذباً على كل الأحوال) لاستمرار العدوان والدمويّة والمجازر والتهجير كما حصل في “النكبة” و”النكسة” وغيرها. أما الجيش، فبخلاف أجيال عقائديّة في الجيش الصهيونيّ، فقد تحوّل هو أيضاً إلى مرحلةٍ نفعيّة تخدم بها إما نخب تسعى للاندماج في أجهزة الحكم والأمن كمهنةٍ للحياة (وهي مهن مربحة جداً وتفتح مجالات هائلة في عالم الأعمال والمال)، وإمّا لشرائح إسرائيليّة فقيرة كالاثيوبيين والشرقيين والروس، ممن لا يجدون فرص عملٍ أو تقدّمٍ أخرى غير الجهاز العسكريّ.

لن تتظاهر المحكمة الإسرائيليّة بعد اليوم بدور الرقيب الذي يرفع الضوء الأحمر كلّما ظهر تعسّفاً، بل ستشكّل امتحاناً مستمراً لعقلانيّة تنظيم القمع والتهجير. المحكمة، في قضيّة أم الحيران، سألت السؤال كما يصفه ماكس فيبر بالضّبط. لم تسأل “لماذا يُهجر الناس وتُهدم بيوتهم؟”، سألت: “كيف يُهجّر الناس وتُهدم بيوتهم؟ هل يصلح الأمر تقنيّاً؟”، المستشار القضائيّ للحكومة الذي عارض قانون تشريع المستوطنات وسرقة الأراضي الخاصّة سأل سؤال العقلانيّة الأداتيّة كما يوصف في الكتاب حرفياً: لم يسأل “لماذا تُسرق أراضي الناس؟” لكنّه سأل “لدينا ما يكفي من الوسائل لنسرق أراضي الناس فما الحاجة بهذه؟”.

هذه الوصفة، بشرح مقتضب جداً، هي البنية التحتيّة التي تأسست عليها الحركات الفاشيّة كلّها دون استثناء. إنها تُنتج سكّة الحديد، ليُسافر القتلة عليها سفراً بارداً مُعتماً غير مرئيّ نحو سيطرتهم واستحواذهم على كلّ شيء. على طبيعة فلسطين، والإنسان الفلسطينيّ منها. قد يكون التطهير العرقيّ القادم دموياً بشعاً، وقد يكون هادئاً مبتسماً نظيفاً ينفّذه موظّفو وزارة الداخليّة الإسرائيليّة وهو يرفعون أكتافهم ويتأسّفون.. “فهذه الأوامر”، وقد يكون تطهيراً سياسياً يقمع المناضلين ضد استعمار الدولة اليهوديّة بعنفٍ غير مسبوق بغية عزلهم عن المجتمع وتخويفه وإخضاعه بواسطتهم. هذه كلّها احتمالات، لكنّها كلّها احتمالات ستتحقق على سكّة القانون الإسرائيليّ. ومن غير الممكن لنا، بأي شكل من الأشكال، أن نقرأ هذه القوانين يومياً، أن نرى السكة تمتدّ متراً بعد متر، ونحن نكتب عنها بيانات صحافيّة وتقارير إخباريّة وأبحاث ودعاوى قضائيّة، وأن نتابع العمل دون أن نشعر أننا نحن أيضاً قد نكون، ربما، براغٍ صغيرة، موضوعيّة، صامتة، في آلة قتلنا.

قد يبدو هذا كله وكأنه يصف حالة إسرائيليّة قدريّة تتقدّم دون أي إمكانيّة لتغييرها. وهو كذلك فقط لأنّه يرصد ما هو داخل المنظومة الصهيونيّة دون أن يتطرّق إلى ما هو خارجها. أما الأمل في هدم هذه المنظومة المجرمة فلا يُمكن البحث عنه في جوفها، إنما هو قائم بالضغط الذي يُمكن تشكيله من خارجها، أي خارج قانونها وخارج مفاهيمها وخارج الوسائل والقنوات التي توفّرها هي بنفسها. وهذا الضغط ــ واسمه الأوضح المقاومة ــ لا يهدف إلى دفع إسرائيل للعدول عن جوهرها الدموي، إنما إلى خلق التوتر والاضطراب داخلها، وتأجيج التناقض داخل جهاز القمع إلى أن ينهار تحت هذا الضغط.